صديق الحسيني القنوجي البخاري

334

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الرازي : إن الرسل لما علموا أن اللّه عالم لا يجهل وحليم لا يسفه وعادل لا يظلم ، علموا أن قولهم لا يفيد خيرا ولا يدفع شرا ، فرأوا أن الأدب في السكوت وفي تفويض الأمر إليه وإلى عدله ، فقالوا لا علم لنا انتهى ، وقيل لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا ، وقيل لا علم لنا بما اشتملت عليه بواطنهم ، وقيل لا علم لنا كعلمك فيهم ، وقيل لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا . وقيل لا حقيقة لعلمنا بعاقبة أمرهم ، وقيل المعنى لا علم لنا إلا علم ما أنت أعلم به منا ، وقيل إنهم ذهلوا عما أجاب به قومهم لهول المحشر ، عن مجاهد قال يفزعون فيقولون لا علم لنا فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون ، وعن السدي في الآية قال ذلك أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول فلما سئلوا قالوا لا علم لنا ثم نزلوا منزلا آخر فشهدوا على قومهم ، وهذا فيه ضعف ونظر ، لأن اللّه تعالى قال في حق الأنبياء لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : 103 ] . وعن ابن عباس قال : قالوا لا علم لنا فرقا تذهل عقولهم ، ثم يرد اللّه إليهم عقولهم فيكونوا هم الذين يسئلون لقول اللّه فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين . إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ يعني إنك تعلم ما غاب عنا من باطن الأمور ، ونحن نعلم ما نشاهد ولا نعلم ما في البواطن ليس تخفى عليك خافية ، وبناء فعال للتكثير ، وفيه جواز إطلاق العلام على اللّه تعالى . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 110 ] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 110 ) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ إذ بدل من يوم يجمع وهو تخصيص بعد التعميم ، وتخصيص عيسى عليه السلام من بين الرسل لاختلاف طائفتي اليهود والنصارى فيه إفراطا وتفريطا هذه تجعله إلها ، وهذه تجعله كاذبا ، والماضي هنا بمعنى المضارع لأن هذا القول يقع يوم القيامة مقدمة لقوله : أَ أَنْتَ قُلْتَ [ المائدة : 116 ] قاله السمين والكرخي ، وقال البيضاوي : الماضي بمعنى الآتي على حدّ قوله : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 44 ] . اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ بالنبوة وغيرها وَعَلى والِدَتِكَ حيث أنبتها نباتا حسنا وطهرها واصطفاها على نساء العالمين ، ذكره سبحانه نعمته عليه وعلى أمه مع كونه ذاكرا